
مجازة في التربية المختصة وطالبة في قسم اللغة العربية وآدابها. خبيرة في التعامل مع الأطفال ذوي الصعوبات التعليمية ومرحلة الطفولة المبكرة.
أشغل منصب قائدة كشفية لفئة الصغار من أكثر من ٥ سنوات ، حيث أسخر خبرتي الميدانيّة والتربويّة لتمكين الأطفال وتطوير قدراتهم بأساليب تفاعلية وإبداعية.
ليس كل طفلٍ صامتٍ خاليًا من الأفكار، ولا كل من يتلعثم في التعبير ضعيف الفهم. في الواقع، هناك أطفال يمتلكون عالمًا داخليًا غنيًا، لكنهم يفتقدون الأداة التي تمكّنهم من نقله إلى الخارج. وهنا تبدأ المشكلة: حين نحكم على الطفل من خلال قدرته على الكلام فقط، فإننا نختزل قدراته، ونخاطر بإهمال احتياجاته الحقيقية.
علميًا، يرتبط التّعبير لدى الأطفال بعدّة عوامل متداخلة، منها النمو اللغوي، والقدرات المعرفية، والحالة النفسيّة، والبيئة المحيطة.
بعض الأطفال يعانون من تأخر لغوي بسيط، وآخرون يواجهون صعوبات في تنظيم الأفكار أو في استرجاع الكلمات المناسبة في الوقت المناسب.
كما أنّ القلق، أو الخوف من الخطأ، أو التعرض للنقد المتكرر، قد يجعل الطفل يتجنب التعبير حتى لو كان قادرًا عليه.
من هنا، يصبح من الضروري التمييز بين “عدم القدرة” و“عدم الأمان”. فطفلٌ لا يتكلم، قد لا يكون عاجزًا، بل غير مطمئن. وقد يكون الصّمت في كثير من الأحيان وسيلة دفاع، لا دلالة نقص.
لفهم هذا الطّفل، لا يكفي أن نطلب منه الكلام، بل يجب أن نعيد النّظر في الطريقة التي نتواصل بها معه. الأسئلة الكثيرة والمباشرة قد تشكّل ضغطًا، بينما الجمل المفتوحة والهادئة مثل: “يمكنك أن تأخذ وقتك” أو “أنا مستمع لك” تخلق مساحة آمنة تشجّعه على المحاولة. البيئة الآمنة نفسيًا هي العامل الأول الذي يحرّر التعبير.
كما تشير الدّراسات التّربوية إلى أن التّعبير لا يقتصر على اللّغة اللّفظية. فالأطفال يعبّرون عبر اللّعب، والرّسم، والحركة، ونبرة الصوت.
لذلك، فإن ملاحظة هذه الوسائل البديلة تمنحنا فهمًا أعمق. الطفل الذي يعيد نفس اللعبة مرارًا، أو يرسم مشاهد متشابهة، غالبًا ما يحاول معالجة فكرة أو شعور داخلي لم يستطع قوله بالكلمات.
ومن الاستراتيجيات الفعّالة أيضًا، دعم “التعبير غير المباشر”. كأن نطلب من الطفل أن يروي قصة عن شخصية خيالية، أو أن يختار صورة ويصفها، أو أن يعبّر عن يومه من خلال رسم. هذه الطرق تخفف الضغط، وتمنح الطفل فرصة للتعبير دون شعور بالمواجهة أو التقييم.
ولا يمكن إغفال دور التعزيز الإيجابي. فالطفل الذي يُقابل بالتشجيع عند كل محاولة، حتى لو كانت بسيطة، يكتسب تدريجيًا ثقة أكبر في قدرته على التعبير. في المقابل، فإن التصحيح القاسي أو المقارنة بالآخرين يرسّخ لديه الخوف، ويزيد من انسحابه.
كذلك، من المهم التعاون بين الأهل والمعلمين. فالتباين بين بيئة المنزل والمدرسة قد يؤثر على سلوك الطفل. التواصل المستمر وتبادل الملاحظات يساعدان في بناء صورة أوضح، ووضع خطة دعم متكاملة تراعي احتياجاته.
في بعض الحالات، قد يكون ضعف التعبير مؤشرًا على صعوبات أعمق، مثل اضطرابات اللغة أو التشتّت، وهنا يُنصح باللجوء إلى مختصين في النطق أو الإرشاد التربوي.
.
التدخل المبكر لا يعني وجود مشكلة خطيرة، بل هو خطوة واعية لحماية تطور الطفل.
في النهاية، فهم الطفل الذي لا يُجيد التعبير يتطلب تغيير زاوية النظر: من التركيز على ما لا يقوله، إلى محاولة اكتشاف ما يحاول قوله بطرقٍ أخرى. فخلف كل صمت، رسالة. وخلف كل تردد، حاجة. والطفل لا يحتاج إلى من يتحدث بدلًا عنه، بل إلى من يُنصت إليه… حتى عندما لا يتكلم

