القوة الخارقة في القرن الواحد والعشرين لم تعد المدرسة أو الجامعة هي المكان الوحيد لتلقي العلم، بل إن وتيرة التطور المتسارعة جعلت المناهج الرسمية تتقادم بسرعة مذهلة. اليوم، الشخص الأمي ليس الذي لا يعرف القراءة والكتابة، بل هو الشخص الذي لا يعرف كيف يتعلم مهارات جديدة بنفسه ثم يعيد تعليم نفسه مهارات أخرى عند الحاجة.
التعلم الذاتي هو المهارة الأم التي تتيح لك اكتساب بقية المهارات. إنه القوة الخارقة التي تميز الناجحين والمبدعين. لكن المشكلة التي تواجه الكثيرين ليست في نقص المصادر، بل في كثرتها وتشتت الانتباه. لذا، نضع بين يديك خارطة طريق عملية ومنهجية لإتقان أي علم أو مهارة من الصفر.
أولا تفكيك المهارة الخطأ الأول الذي يقع فيه المبتدئون هو محاولة تعلم كل شيء دفعة واحدة. السر يكمن في التبسيط. انظر إلى العلم الذي تريد تعلمه ككتلة كبيرة يجب تكسيرها إلى قطع صغيرة. اسأل نفسك ما هي المكونات الأساسية لهذه المهارة. إذا كنت تريد تعلم التصوير الفوتوغرافي مثلا، لا تقرأ كل شيء، بل ركز أولا على الأساسيات مثل الإضاءة، وتكوين الصورة، وإعدادات الكاميرا. ركز جهدك على العشرين بالمئة من المعلومات التي تعطيك ثمانين بالمئة من النتائج العملية.
ثانيا اختيار المصادر بذكاء نعيش في عصر الوفرة المعلوماتية، وهذا سلاح ذو حدين. كثرة المصادر تصيبك بالشلل. بدلا من تجميع عشرات الكتب والدورات، اختر مصدرا واحدا أو مصدرين موثوقين فقط. قد يكون كتابا شاملا للمبتدئين، أو دورة تدريبية منظمة على الإنترنت. الالتزام بمصدر واحد حتى النهاية أفضل بمراحل من التنقل بين عشرة مصادر دون إكمال أي منها.
ثالثا التعلم بالممارسة وليس المشاهدة مشاهدة فيديوهات تعليمية تمنحك شعورا خادعا بالإنجاز، لكنك في الحقيقة لم تتعلم شيئا ما لم تطبق بيدك. اجعل القاعدة الذهبية هي أن تقضي وقتا في التطبيق العملي ضعف الوقت الذي تقضيه في القراءة أو المشاهدة. إذا كنت تتعلم البرمجة، اكتب الكود بيدك ولا تكتفِ بنسخه. إذا كنت تتعلم التصميم، افتح البرنامج وصمم شيئا سيئا في البداية، فالمحاولات الفاشلة هي التي ترسخ المعلومة في عقلك.
رابعا الشرح للآخرين أفضل طريقة لاختبار مدى فهمك لأي معلومة هي محاولة شرحها لشخص آخر بأسلوب مبسط. تخيل أنك تشرح ما تعلمته لطفل صغير. إذا تعثرت في الشرح أو لجأت لاستخدام مصطلحات معقدة، فهذا دليل على أنك لم تفهم الفكرة بعمق بعد. هذه الخطوة تكشف لك الثغرات في معرفتك لتعود وتراجعها.
خامسا الاستمرارية والتكرار المتباعد العقل البشري يميل للنسيان بسرعة. لكي تنقل المعلومات من الذاكرة المؤقتة إلى الذاكرة الدائمة، عليك مراجعة ما تعلمته على فترات متباعدة. لا تضغط نفسك في الدراسة لمدة عشر ساعات في يوم واحد ثم تنقطع أسبوعا. تخصيص نصف ساعة يوميا بانتظام والاستمرار عليها له مفعول السحر وتأثير تراكمي مذهل يفوق الجلسات الطويلة المتقطعة.
الخاتمة رحلة لا تتوقف التعلم الذاتي ليس وجهة تصل إليها وتنتهي، بل هو أسلوب حياة. بمجرد أن تتقن فن تعليم نفسك، ستتحرر من قيود الوظيفة الروتينية والمناهج الجامدة، وسيصبح العالم كله فصلا دراسيا مفتوحا أمامك. ابدأ اليوم بتعلم شيء صغير، وطبق هذه الخطوات، وستذهلك النتائج.
